فوزي آل سيف

58

النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي

ومعنى ذلك أنها (نزلت)، (خلق الله لها)، و(كانت تمر بملاء من الملائكة) وكل ذلك آية أنها مخلوقة. لنا أن نلاحظ في رسالة الإمام الهادي السابق ذكرها لشيعته أنه رأى هذا الجدال بدعة، اشترك فيها السائل والمجيب على حد سواء، ولعل ذلك ناظر إلى فكرة أن أصل الشبهة ذكرها قس مسيحي وأشغل المسلمين بها من أجل أن ينصر فكرته الرامية إلى تأليه المسيح عيسى بن مريم! فورط بعض المسلمين في الجواب عنها، وهذا يشير ـ فيما يشير ـ إلى الحاجة الأكيدة الموجودة في الأمة لهدي أهل البيت عليهم السلام وعلمهم، فقد رأينا كيف أن شبهة من الشبهات كانت برسم الخلافة (الأموية والعباسية) ظلت عابرة للزمان من أيام هشام بن عبد الملك الأموي إلى زمان المعتز العباسي أي قرابة قرن من الزمان وهي كالكرة يقذفها قوم يمينا فيتلقفها آخرون ويقذفونها شمالا وهكذا.. وليتها بقيت كشبهة فكرية! وإنما وصلت إلى حد تكفير كل فئة للفئة الأخرى وقتل أنصار كل جماعة بيد الجماعة الثانية، فانظر إلى ما نقل آنفا عن رأي أحمد بن حنبل إمام الحنابلة كيف أنه كفّر على هذه المسألة فئات كثيرة! وكيف قتل جماعة المعتزلة من خصومهم في هذه المسألة؟ هذا مع أن جوابها هو في كلمتين: الله الخالق وكل ما سواه مخلوق! الحالة العامة للتشيع أيام الإمام علي الهادي يمكن للباحث أن يلاحظ أن التشيع كمدرسة عقدية وفقهية بل وككيان اجتماعي بلغ في زمان الإمام علي الهادي عليه السلام وابنه الحسن العسكري غايته القصوى. وسنوجز في النقاط التالية بعض علائم هذا المدعى: 1/ إن تراكم عمل الأئمة المعصومين عليهم السلام منذ زمان إمامة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام (11 هـ) إلى زمان شهادة الإمام الهادي (254 هـ)، قد أدى مع تنوع ذلك العمل في مجالات مختلفة إلى إكساب هذا المجتمع الشيعي قوة وتناميًا، فإنهم عليهم السلام وجهوا جهودهم تلك إلى هذه المجموعة البشرية المؤمنة بهم في زمانهم وما بعد زمانهم. وكانوا ينظرون إليها كوحدة واحدة، ومن الطبيعي أن ذلك التوجيه الذي استمر هذه الفترة الطويلة (حوالي قرنين ونصف) أن يؤتي ثماره، وكان زمان الامام علي الهادي عليه السلام وابنه الحسن العسكري هو أوج ذلك العطاء. 2/ سنلاحظ أن الرقعة الجغرافية للتشيع وأتباع أهل البيت عليهم السلام قد انتشرت في مساحات واسعة من الأمة، مع ملاحظة أن الخلافة الرسمية (أيام الأمويين والعباسيين) في عامة حالاتها لم تكن تسمح بانتشاره بل في أكثر الحالات كانت تقاوم ذلك، وتحاصر فكره وفقهه وانتماء الناس إليه، بل تحاربه في كل الأصعدة، وبالإمكان النظر إلى (المراسيم) التي أصدرتها الخلافة في فترات متعددة ضد هذا المذهب وأنصاره، وأما الحرمان والاقصاء فكان هو السياسة الدائمة والمستمرة.. مع كل هذا فإن هذا المذهب والمنهج الذي كانت بدايته في المدينة المنورة، في صورة " شيعة لعلي بن أبي طالب" قد تحول إلى المذهب الثاني في الأمة في كل أقطارها، ولو أخذنا مثالا على ذلك فإنه يعكس صورة تقريبية عن انتشاره في جغرافيا العالم الإسلامي آنئذ، وننقل نصًّا هو بدوره يحتاج إلى التأمل فيه. فقد نقل الشيخ الصدوق رواية تشير إلى من رأى الإمام الحجة عجل الله فرجه وفيها تعداد لأسمائهم ومناطقهم وبالنظر إلى معادلة وهي أن الذين رأوه لا يشكلون إلا نسبة بسيطة من وكلاء وأعيان الشيعة، وأن مناطقهم هي الأقل بالنسبة لسائر المناطق، مع ذلك نلاحظ أنها كثيرة. قال: ورآه من الوكلاء ببغداد: العمري وابنه، حاجز، والبلالي، والعطار. ومن الكوفة: العاصمي. ومن أهل الأهواز: محمد بن إبراهيم بن مهزيار. ومن أهل قم: أحمد بن إسحاق. ومن أهل همدان: محمد بن صالح.. وسنذكر ـ من النص ـ المناطق فقط من دون ذكر الأسماء لأن غايتنا هو التعرف على الرقعة الجغرافية التي كان يتواجد فيها هؤلاء الوكلاء والأعيان. في العراق: بغداد، والصيمرة، وشهرزور، وهي تقع في المنطقة الشمالية من العراق.